محمد كرد علي

106

خطط الشام

وأما القسم الثاني وهو الأهلي فينقسم إلى طائفي وذرّي ، والأول ما حبسه الواقف على طائفة مخصوصة من الناس . والثاني ما حبسه على ذريته من بعده . وهذه الأقسام تبع لانقسام الوقف باعتبار المتعلق ، لأنه ينقسم باعتبار متعلقه وعوارضه إلى أقسام كثيرة ، فالمتعلق الموقوف له كالعبادة التي وقفت لأجلها المعابد ، والثاني الموقوف عليه وهو المخلوقات التي تتمتع بنعمة ما حبس عليها ، والثالث الأعيان الموقوفة . وأما العوارض فهي كالصحة أو عدمها من الوجهة الشرعية ، وكالضبط أو الإلحاق من الوجهة الإدارية ، وقد يتداخل بعض هذه الأقسام مع فروعها فيقال مثلا وقف خيري صحيح مضبوط . ولانقسام الأعيان إلى ثابتة ومنقولة انقسم الوقف باعتبار هذا المتعلق إلى وقف الأموال الثابتة ووقف الأموال المنقولة . فالثابتة كأرض الزراعة المملوكة الرقبة والحوائط والبساتين والعرصات والعقارات المسقوفة . وهذا النوع لا خلاف بين جمهور علماء المسلمين بصحة وقفه . وأما الأموال المنقولة صامتة كانت أو ناطقة ، فقد اختلف الفقهاء بصحة وقفها ، والمعتمد الصحة وفقا لما جرى عليه تعامل المسلمين في القديم والحديث من وقف المصاحف والكتب والجنازة ونحو ذلك ، وبالأولى معدات الجهاد كالسلاح والكراع . والأرض الأميرية سواء أكانت عشرية أم خراجية لا يصح وقفها إلا إذا كانت مملوكة الرقبة ، فإذا ملكها السلطان ملكا شرعيا فله أن يقفها على من يشاء كتصرفه ببقية أمواله المملوكة . والواجب إذا تقييد وقف السلاطين الأرض الأميرية بالأوقاف الأهلية ، إذ لا يسوغ للسلطان أن يفرز مزرعة من أرض بيت مال الأمة العام ويخصها بفئة من الناس على سبيل الحبس والتأبيد ، كما فعل السلطان سليم الأول العثماني حينما استولى على الشام بإفرازه كثيرا من المزارع بدون تملك رقبتها ، ووقفها على أرباب الزعامة الدينية وذراريهم . والعشر الذي تتقاضاه اليوم البقية الباقية من الذرية أو أدعياء النسب المندسون بها ، هو ضرب من السحت يجب أن يتحول مجراه عن هذه الحليمات الطفيلية إلى مصالح الأمة ومرافقها الخيرية العامة .